جريدة القبس الكويتة بتاريخ الإثنين 19 أكتوبر 1987م
عملاق فى قلب الشاعرة
زينب أبو النجا
يحتل مساحة كبيرة فوق خارطتها الشعرية
هل تستطيع التجربة الذاتية وحدها أن تخلق عالماً إنسانياً فى الشعر
حاورها أحمد الشهاوى
"اتكشف ما بينى فيما .. بينى حتى أدرك ما فى البينين
تتسرب من بينى وإلى بينى وأراك تشق القلبين
قلب متعنت
قلب مرهف
من فطنة عينيك السامرتين
وأراك تمس النبضين
فترى .. هل مسة جن مستنى
أم مسة أنسى؟
هذا مقطع من قصيدة "مسة جن مستنى" للشاعرة المصرية الشابة زينب أبو النجا، التى توسطت ديوانها الجديد الذى صدر – مؤخراً- فى القاهرة، حاملاً عنوان "عملاق فى قلبى" .. ويحتوى بين دفتيه، عدداً من القصائد التى كانت الشاعرة قد نشرتها فى الصحف والمجلات المصرية قبل أن يضمها الديوان، وتبلغ خمس عشرة قصيدة تنحو منحى التنغيم والتوقيع الموسيقى العفوى حيناً، والمتعمد أحياناً كثيرة. وتحاول الشاعرة فى هذا الديوان أن تحكى تجربتها الحياتية شعراً، ومن ثم بدأت فى سرد مشاعرها الذاتية، وهمومها الخاصة واضعة فى ذهنها أنها إشكاليات مجتمع بأسره، باعتبارها عضواً فى نسيج هذا المجتمع.
ونحن لسنا ضد التجارب الخاصة التى غالباً ما تكون صادقة وحارة ولكن بحيث لا تخرج عن نطاق الهموم المجتمعية.
تقول زينب أبو النجا فى مقدمتها لديوانها: "أن الشاعر هو المرآة التى تعكس ألوان الحس والفكر والسلوك لدى الشعوب، إذن فالشاعر أمة، والأمة إنسان .. والكلمة الصادقة تخرج من القلب وتصل حتماً إلى القلب، لذلك .. فإننى أخالف الرأى الذى يعتبران التجربة الخاصة أو العاطفية لا تخدم المجتمع، حيث أن التجربة الاجتماعية ذاتها، التى يطرحها الشاعر، لن تحقق هدفها إلا من خلال نظرته الذاتية لها.
وفى التجارب العاطفية الموجهة دون إسفاف فى المعنى أو اللفظ ما يقدم لإصلاح الإنسان، أى إصلاح المجتمع للاعتبارات التالية: أن الحب هو الخطوة الأولى للعشق الإلهى، والحب هو دعامة الإنسان ضد الخطأ، أن التجربة العاطفية الصادقة توقظ إحساس المتلقى الذى أسكرته المادة وجعلته كما الآلة لا يعى ولا يدرك إحساسه، وأن الحب يعلم الإنسان الإحساس بالجمال والمحافظة عليه سواء فى الطبيعة أو فى ذات المحب نفسه حين يوقظ الحب ضميره ويرتفع عن الأشياء والصغائر إلى الشفافية وحب الغير وحب الخير".
ويقول الأديب التونسى رشيد الزوَّادى، فى تقدمته للديوان: يتراءى لى أن مجموعة الشاعرة زينب أبو النجا كأنها قصيدة قصصية ذات صوت وجدانى موحد .. فالمجموعة إذن فيها تميز وتفرد وهى إن دلت على شئ فإنها تدل على حس شعرى رفيع، وتطور فى التجربة وحضور فى الزمان يتأكد يوماً بعد يوم ليثبت رسالة الشعر الحق حامل خصوصيات الإيحاء والتوجيه ودعائم التقويم.
فالقصائد ليست من الشعر التقليدى، وليست كلها من الدراما الشعرية، بل مزيج من التفاعل والتصادم مع ملامح المجتمع وما ينبغى أن نحدده له من هوية ورسالات، فالشاعر فنان بالضرورة له عى ورؤى ويريد من خلال معاناته أن يرتفع بالفاعلية الشعرية إلى مستوى الفعل التاريخى إلى الفعل الحضارى.
وبالرجوع إلى قصائد هذه المجموعة لتبيان قيمة التعبير فيها، وتحديد الموقف النقدى منها يطرح السؤال التالى: إلى أى حد استفادت الشاعرة من أسلوب القصيدة الرمزية فى الشعر التجديدى الحديث؟ وهكذا تتأكد عدة خصوصيات فى هذه المجموعة التى تشمل مضامين كثيرة مثل (الحب والعاطفة) كقصائد راهبة، لو أنك، القاع، تاج اللؤلؤ، مسة جن مستنى، (الحب) وقد وصلت إلى ذروة التألق والتعبير الصادق فى هذا المضمون، لأن مفهوم الحب يكمن فى أعماق الشاعرة كقيمة تميز الإنسان وملاحم درامية كـ "الموت بعد المخاض" التى نرى فيها الشاعرة المبدعة زينب أبو النجا قد طرقت باباً جديداً لم يطرق فى الشعر العربى من قبل، فانفردت بهذه الملحمة تفرداً عظيماً.. وبذلك كان لها فضل الريادة فى الكتابة عن هذه التجربة الإنسانية العميقة والمؤثرة، وملحمة درامية اجتماعية أخرى بعنوان (القضية) والنقد الاجتماعى كقصيدة (حال اللون على الطمى) والتأملات فى الكون والنقد الاجتماعى معاً فى قصيدة (البحث عن ضفاف) و(التحدى)، و(فلاحة) التى يتسع فيها المعنى والأصالة والانتماء.
و.. نتخير جزءاً من قصيدتها الأولى فى الديوان "راهبة":
"أنت الذى رسم الجمال على الخدود تألقاً
أمطرت بالوادى اليباب السحر حتى أورقا
وبأرض إحساسى زرعت الشمس نوراً مشرقا
فإلى متى ..؟
حب يمزقنى بغير الملتقى
وإلى أنطقا؟
حسبى أظل بسرك المكنون
حتى أحرقا!!
الكون أمسى ضيقاً
ويغفلتى ثلج التنائى أطبقا
أشعلت مدفأتى .. وحاورت السكينة
أنت الذى يا رب تعلم مابيا
قد ذاب قلبى بالغرام ... وما الحبيب درى بيا
كمن من قلوب بالهوان ترنمت
جاءت تهيم ترنحاً تبكى ليا
لست الحكيمة فى الهوى
قلبى عليل يا حبيب فداونى
أنت المهيمن بالفؤاد وغافل
فى سكرة الأيام عشت الناسيا
درر الكلام أزفها
فالكون يشدو مابيا
وتحدثت عنى البلابل شاكية
فى الصمت تشكو
للفضاء الرحب نوح بكائيا
وتمر كالسيف الرزين أماميا
فيهب طفل بالضلوع مناديا
ويطير بى عبر الأثير مغنيا
أنسى الجموع الواقفين بحضرتى
وأطير كالعصفور حن لعشه
ألقى "الملاك" مسلما!!
........."