مجلة حواء العدد 2381 – 11 مايو 2002 على مسئوليتى
الإنسانية تحتضر! بقلم: زينب أبو النجا:
فى كل يوم أصحو من النوم يابسة الأعضاء، مكروبة الأنفاس، مشروخة الصدر، وكأن أحمال الكرة الأرضية تمرست على الهبوط فوق كتفى .. وأنا التى منذ طفولتى أحببت الحياة والله والوطن، والأبناء والأهل والأصدقاء أما الأعداء فأسلمت أمرى وحقى عندهم لخالقهم – وما أفرطت فى العداء طرفة عين لأحد، ونسيت كثيراً ربما قسوتهم، وأسقطت عن حسابى من احتقرت مبادئهم.
فى طفولتى مشيت الطريق بين أبى وأمى وأخوالى وأعمامى وأبناء عمومتى وأبناء أخوالى وأهل محافظتى وقريتى – كريمة الأعراف .. مُقبلة اليدين سعيدة الوصل والنسب، تعلمت بينهم إنسانيتى التى الآن تتعسنى، ومودتى وتواضعى اللذين الآن يخيفاننى من الناس .. وتسامحى الذى الآن يؤسفنى – تعلمت بينهم كيف أشرب الحياة ولا أجعلها تشربنى – تعلمت بينهم كيف أحب الجمال ولا أقبحه فلكم سقيت الأشجار والزرع فى حديقة البيت الكبير .. وصحوت مبكراً حتى فى أيام العطلة الدراسية لأشم عبير النسيم العليل، وأستشعر شقشقة النهار، وزقزقة العصافير، وغمعمة الحمائم، وحفيف أغصان أشجارناً التى صادقتنا فى طفولتنا .. والتى كلما هززناها أساقطت علينا أثمار ورطب – ولكم كنت أمسك الفراشات لحظة وأعتقها .. ولكم فتحت أبواب أقفاص الكناريا خلسة .. وطيرتها .. احتراماً لحريتها .. وكانت وجهة نظرى تملؤها السماوات والأرض بما بينهما من كائنات حية .. وكيف (لسيمتريتهما) وانتصابهما بلاعمد، وكيف للتكاثر والإكثار بينهما؟! وتأملت عبقرية أصابع الخالق فى خلقهم، وحاولت فك طلاسم الإبهام الذى يحيطهما – وسألت أسئلة كثيرة .. وما أقنعتنى الإجابات أحياناً، وأحياناً كان العقل يقتنع.
فمثلاً سألت أبى ذات مرة: لماذا الكائنات الضارة والحشرات والحيوانات المفترسة دائماً.. إما خائفة، وإما متلونة وإما متوحشة؟ وضربت له مثلاً (بالحرباء): لماذا هى تتلون دائماً .. على الأرض الخضراء خضراء، وإن انتقلت إلى الأرض السوداء ... فى أقل من ثانية سوداء، وعلى الأرض الرملية صفراء؟!! فأجابنى هذه قدرة الله فى خلقها لكى تحمى نفسها من قاتليها فسألته: ولماذا الآخرون يقتلونها .. هل تضربهم فى شئ؟؟ فقال: نعم هى قد تعطب الزرع كما أنها قبيحة الشكل .. فسألت: ولماذا يخلق الله كائنات قبيحة وضارة؟!
فأجابنى: هذه سنة الحياة لكى نعرف الفرق بين الشر والخير ...
فسألته: ولماذا لم يخلق الله الكائنات كلها على الخير؟!!
فأجابنى: الخير فى وفى أمتى إلى يوم الدين
فسألته: كيف! والكائنات الضارة تفسد كل ما يصلحه الخيرون؟
تماماً مثلما تفعل الحرباء التى ليس لها أى فائدة سوى أنها تعطب الزرع الذى أنفق فيه المزارع الجهد والعرق والمال لكى يخرجه لنا خيراً نحيا عليه؟!
فأجاب: لكى يتعلم المزارع الصبر.
فسألته: وما الصبر يا أبى .. فقال: أن يتحمل الإنسان ما يقع عليه من ضرر وظلم فيشتد عوده .. ويقدر على مواجهة الصعاب والحياة.
فعدت بالسؤال: فلماذا الضرر إذن، ولماذا الظلم إذن، ولماذا الصعوبة فى الحياة؟!!!
فضاف ذرعاً بأسئلتى مجيباً: له فى ذلك حكم..
تذكرت هذه الأسئلة لأننى أقوم الأن كل يوم من نومى إذا نمت .. معطلة الفرح خائفة . . ومكلومة القلب ليس عن تقصير منى .. ولاعن ذنوب اقترفتها .. سوى أننى معنية بالعدل .. إنما هو عبث، وفساد من الكائنات الضارة وللأسف هذه الكائنات تدعى بشر بمعنى أن لها عقولاً تفهم، وقلوباً تنبض، وضمائر من المفترض أنها تصحو .. لكنها ماتت ومات معها كل ما يقوم الحياة ويجعل لها معانى إنسانية تجعل الإنسان يحب البقاء ويصر عليه – أما عندما تعلو المادة فوق كل شئ!! تنحسر كل القيم إلى جانبها، ويصبح البشر كالقطيع فى الغابة .. الشره المفترس يأكل القانع الضعيف المسالم.
منذ فترة كانت هناك قيم تسود وتأتى بعدها قيمة المادة .. مثل قيمة الدين، الوطن، الأدب، العلم، الخير، العدل، الحب، الجمال وكنا نسمع مصطلحات مستحبة إلى أسماعنا مثل: النخوة .. الرجولة .. الأمانة .. الانتماء الصدق .. المرأة الجدعة .. الدم الحامى .. الغيرة على الوطن .. الشرف .. النبل .. المروءة واستبدلت الآن بالمصلحة .. الشطارة .. الغنى الفلوس .. العمولة .. المساومة اشترى دماغك، كبر، أبج، دوس.
وهكذا تم مع هذا التحول الرهيب الحجر على فرحى ونجاحى وأمانى لأننى ما استطعت أن أمسك لجام ضميرى .. وما استطعت أن أتجاوب مع المصطلحات الجديدة ولا أن أوقف إعمال عقلى ولا إغماء عينى عن حقوق المظلومين وأنا منهم – أسألوا عنى أهل قرينى كيف كنت فى طفولتى وصباى .. الأرض تضحك فرحاً عندما أعدو عليها بدراجتى – وكيف كانت الوجوه كلها تستبشر لو جهى ومهارتى – كيف لعبت كل ألعاب شارعنا .. النحلة، الدبور، والبلى، الحجلة، والأولى، برله برله، ومثلت مع بنات أخوالى أدوار الأمهات، والناظرة والمدرسات والتلميذات، ولعبنا الكوتشينه، وأمسكنا الفوانيس ذات الشمعة وغنينا حالو يا حالو .. وأدونا العادة فى أى وقت من النهار وفى ليالى رمضان – كان الشارع أمنا والبيت أمنا ودافئاً والمدرسة آمنة والطعام شهياً .. والكلام صادقاً وغير ممل – الرحمة والمودة والحب أكثر، والكراهية أقل.
كنت حميمية فى كل شئ ومع كل شئ – إذا ذاكرت .. ذاكرت جيداً، وإذا لعبت أعطيت اللعب وقته فقط، وإذا تلقيت الدروس انتبهت .. لا أخفى سراً أننى كنت أميل إلى اللعب أكثر لكننى أدرك أهمية إنماء عقلى بالمذاكرة والقراءة والإلمام بالواقع، وكانت المواد التى تدرس لنا تنمى عندنا الانتماء لله والوطن والأسرة .. فمثلاً كنا ندرس مادة اسمها (التربية الوطنية، ومادة التربية العسكرية وكانت مادة الدين مقررة – وكنت أفتح أذنى لنصائح أمى وأبى أفهمها وأعمل بها – إذا صلينا نحن الأطفال وقتها صلينا وسط أهلينا ورددنا القرآن وراءهم – كنا فى أحضانهم دائماً – كنا نحن الأطفال همهم الأول فرحهم وشغلهم الشاغل- كنت وحيدة الأبوين وكان من حق أبى أن يتزوج ثانية لينجب الذكر .. لكنه رفض أن يجرح أمى ورفض إلا أن يمنحنى الحب كله .. وكان دائماً يردد (لا أحب حياة الأضداد) كيف يقبل الرجل بعد عشرة العمر أن يأتى بضد فى صورة زوجة ثانية لأبنائه تطاردهم بالأذى وتطمع فى حقهم وتغار منهم – والأب الذى لديه طفلة بريئة وجميلة كهذه .. كيف يقبل أن يأتى لها بزوجة أب (ضد) تأخذ من يدها (الشيكولاته) لتعطيها لابنها؟!! كيف للأب أن يتعس أبناءه بمؤمرات (الضد) زوجة الأب المعتدية على حق الغير الطامعة سطواً على حياة كريمة هادئة لهم من أجل متعة زائلة أو نزوة أو حتى لإنجاب ولد؟!! حتى لو كان لديه طفلة واحدة؟!!!.
هذا كان أبى .. فهل من وجه مقارنة بينه وبين آباء اليوم الذين يقلدون الأب الدنئ فى عائلته (الحاج متولى) – ويعتدون بسفاهتهم على استقرار وأمان أسرهم وأبنائهم ويعرضونهم للضياع؟؟ - كم رأيت فى طفولتى آباء غدرت بهم الزوجات وانصرفن لأسبابهن أو ماتت عنهم زوجاتهم، فانكفأوا على رعاية أبنائهم .. وأخرجوهم للدنيا .. أكفاء صالحين أطباء ومهندسين وعلماء – زوجوهم لبنات عائلات مهذبات وعصموهم – وهيأوا لهم أسباب السعادة، وادمجوا سعادتهم فى سعادة أبنائهم – فصفقت لهم الأكف، واعترف لهم الأبناء .. ورضى عنهم الله – لأنهم ضربوا المثل الأعلى وقاموا بواجبهم .. ففتح الله عليه فتحاً مبيناً – وصدقوا على جلال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) .. فما بالنا الآن بآباء هم الغادرون بلا أسباب الضارون البائعون لفلذات أكبادهم أبنائهم وبالتالى لأوطانهم – فمن باع أبناءه باع أوطانه.